من أنا؟
Thursday, September 6, 2007
مرسي عطا الله
كنت, ومازلت, غير متحمس لإبداء أي قدر من الاهتمام بتلك الشائعات الخبيثة التي غطت أرض مصر ـ بفعل فاعل ـ واستهدفت شخص الرئيس مبارك, ولم يكن عدم حماسي منطلقا من أرضية استعلاء علي المهنة التي انتمي إليها أو الاستعلاء علي المهمة التي يتحملها كل صاحب قلم ومنبر ولكن من قناعتي الذاتية بأنه من الخطأ والخطر معا أن نبدد الجهد والوقت في الاهتمام بالشائعات التي تضعنا دائما في خنادق الدفاع والتبرير دون مبرر!وكان رأيي ـ ولا يزال ـ أن الشائعة لا تحقق هدفها إلا إذا شعر من وراءها بأنها أصابت الهدف بجذب الانتباه وإثارة الشكوك واستدراج أصحاب الشأن المستهدفين إلي ايضاحات وتعليقات هي غاية المني وغاية المراد لمن يطلقون الشائعات... فالشائعة مثل رصاصة طائشة في الهواء ينبغي تجاهلها والابتعاد عنها وعدم اشعار من داس علي الزناد بأن أحدا قد سمع دويا لطلقته أو شاهد دخانا ينبعث من ماسورة بندقيته!
وليس معني ذلك أنني أقلل من خطورة سلاح الشائعات, أو أنني أدعو إلي التسامح مع من يثبت تورطه في استخدامه, ولكنني أدعو إلي استخدام قوة العقل في حرمان مروجي الشائعات من الشعور بالنشوة في أنهم أصابوا هدفهم وأحدثوا ما أرادوا من بلبلة وقلق في الرأي العام!إنني أستطيع أن أجزم بأن الذين أطلقوا هذه الشائعات الخبيثة كانوا يعلمون علم اليقين أن الرئيس مبارك بخير, وأنه يمارس كامل مهامه بأعلي درجات اللياقة الذهنية والبدنية ولاشك في أن هذا اليقين لديهم كان بمثابة صدمة لهم ولمخططاتهم التي تستهدف صناعة الفوضي, سواء لحسابات ذاتية في الداخل أو بالتناغم والتوافق والتنسيق مع دعاة صناعة ما يسمي الفوضي البناءة, الذين يطلقون بالونات الترغيب والترهيب لخدمة مخططاتهم من فوق حاملات الطائرات المنتشرة في بحار وخلجان المنطقة, والذين لم ينكروا أنهم رصدوا ملايين الدولارات لزرع هذه الفوضي في أقطار أمتنا وإن تعددت الوسائل والآليات حسب ظروف كل بلد علي حدة!لعلي أكون أكثر وضوحا إنه ـ كان متوقعا ـ بعد أن استعصت مصر علي كل سياسات الضغط من أجل تطويع مواقفها السياسية وبعد أن تحطمت كل محاولات المساس بالوحدة الوطنية, أن يلجأ الغاضبون من صلابة السياسة المصرية إلي سلاح الشائعات الذي يتحصن هذه الأيام بفوضي غريبة في الساحة الصحفية تسمح للأسف الشديد ــ تحت غطاء كاذب باسم حرية الصحافة ـ بأن تدوس علي قيم وأعراف وتقاليد المجتمع, وتتجاوز ـ دون خجل ـ خطوطا حمراء لا أظن أن الدول العريقة تسمح بمثلها!وعلي عكس ما يعتقد البعض فإنني أري إن الشائعة المتعلقة بصحة الرئيس ماتت في مهدها لأنها كانت مجرد شائعة ولأن الذين أطلقوها لم يدر بخلدهم أنها ستعطي ردود فعل عكس ما كانوا يتوقعون, خصوصا أن القلق كان قلق الشعب علي رئيسه حبا وتقديرا... ولكن مع ذلك ينبغي أن نضع في اعتبارنا أنه ليست في كل مرة تسلم الجرة!باختصار شديد أقول إن مصر من حقها أن تنعم بصحافة حرة بالمعني الصحيح لحرية الصحافة, وليس بصحافة الفوضي التي تماثل فوضي الشارع المصري, حيث لا احترام لإشارات المرور ولا إلتزام باتجاه خط السير أو عدم الوقوف في الممنوع!إن خوفي علي حرية الصحافة مبعثه أن الخطر الذي استشعرنا في الآونة الأخيرة أنه يهددها ويهدد أمن وسلامة واستقرار المجتمع يجئ معظمه من حبر أقلامنا... والتاريخ لن يرحم أحدا يثبت تورطه في تهيئة الأجواء لخنق الصحافة كبديل يمكن تبريره لعدم خنق الوطن, فلا معني لوجود الحرية إذا كان ذلك علي حساب أمن واستقرار وسلامة الوطن!***والحقيقة أن المرء يحار في فهم وتفسير ذلك التصعيد المقصود في اتجاه السعي لإحداث بلبلة دائمة في صفوف الرأي العام, إلي الحد الذي بات واضحا أنه عندما تغيب أو تختفي أية قضايا جدلية لتسميم العقول والأفكار تتجه بعض الصحف إلي التصعيد الموازي باستخدام مفردات الشائعة سواء كان استخداما مباشرا من نوع ما جري في الشائعة الأخيرة اعتمادا علي رسائل مشبوهة يجري تداولها علي شبكات التليفون المحمول, أو عن طريق التوظيف غير المباشر من خلال فبركة الأكاذيب والشائعات ونسبها إلي ما يسمي بالمصادر العليمة والمصادر القريبة, إلي آخر ما في القاموس الصحفي من مفردات!إن الذين يفعلون ذلك هم أخطر علي حرية الصحافة من قائمة طويلة من الكارهين لها, بدءا من الفاسدين ولصوص المال العام, ووصولا إلي محترفي التحايل علي اللوائح والقوانين والساعين إلي جعل الاستثناء رخصة دائمة لتمرير كل ما هو غير جائز وما هو غير مشروع!ولست أظن أنني بحاجة إلي القول بأنني من الذين يؤمنون بحرية الصحافة وبحقها الكامل في تناول كل الأمور وكافة القضايا, دون أن تكون هناك أي خطوط حمراء أو محظورات سوي افتقار الخبر والرأي والتحليل إلي المعلومات الصحيحة والانزلاق إلي الفبركة ونسج الروايات والشائعات دون دليل.. ولكن ما أوسع الفارق بين حق ممارسة الحرية المسئولة التي ترعي الحرمات وبين خطيئة الفوضي التي تدوس علي القيم والتقاليد وتتجاهل أمن وسلامة واستقرار الوطن.إنني أخشي أن يكون بعض ما ينشر مستفزا وصارخا ومؤلما للنفس ـ علي مدي الأشهر الأخيرة ـ جزءا من مخطط يستهدف العودة بنا إلي عهود الاعتام التي دفعت فيها الصحافة ودفعت معها الحقيقة ثمنا غاليا!ولست أقول غير الحقيقة عندما أقرر ـ وبضمير خالص ـ أن الرئيس مبارك مازال حتي هذه اللحظة هو أكبر مدافع عن حرية الصحافة التي بدأ الاستخدام السيئ لها يفرز رذاذا مسموما يستهدفه شخصيا, ومع ذلك فإنه يرفض استخدام ما لديه من صلاحيات دستورية وقانونية لوقف هذا العبث الفوضوي الذي يري الكثيرون أنه يمثل خطرا علي الوطن بأكثر من كونه تجاوزا لحدود الأدب واللياقة, أو إمعانا في الافتراء علي الحقيقة!ولنكن صرحاء مع أنفسنا ونواجه الحقيقة, ماذا لو أن الدولة رفعت يدها عن دعم الصحف غير القومية والتي ليست مملوكة لمجلس الشوري؟وقبل أن يبادر أحد مستغربا من هذا السؤال فإنني أؤكد أن الدولة حريصة ـ بقدر حرصها علي حرية الصحافة ـ علي استمرار دعم هذه الصحف التي تسبها ليل نهار, ويزعم أقطابها أن الدولة تدعم الصحف القومية فقط, وذلك علي عكس الحقيقة التي تتمثل في النقاط التالية:أن المؤسسات الصحفية القومية هي التي تقوم بطبع وتوزيع كل هذه الصحف بأيسر الشروط وأفضل التسهيلات, وأنه لو لم يكن هناك إيمان حقيقي بحرية الصحافة لتقاعست المؤسسات القومية عن أداء هذه المهمة, خصوصا أن نسبة كبيرة من هذه الصحف عليها ديون ثقيلة تبرر وقف طباعتها لحين وفائها بالديون المتراكمة عليها للمؤسسات القومية.إن المؤسسات الصحفية القومية تغمض أعينها ـ بطيب خاطر ـ عن الكوادر الصحفية التي تتقاضي مرتباتها دون عمل في مؤسساتها وتخالف قانون العمل بمزاولة المهنة في الصحف المستقلة والحزبية.. وذلك أمر ليس له مثيل في أي بلد في العالم.إن أغلب هذه الصحف المستقلة والحزبية ـ إن لم تكن كلها ـ تنعم بدعم لوجيستي مجانا يتمثل في الصور والمعلومات الأرشيفية, التي هي جزء من ثروة ورصيد المؤسسات القومية, وهو دعم لا يستهان به في مكونات أي إصدار صحفي.***وليس معني ذلك أنني أطالب هذه الصحف بأن تتخلي عن حقها المشروع في ممارسة الحرية وأن تجامل الحكومة وتتوقف عن نقد سياستها كثمن للتسهيلات التي تقدمها الدولة لهذه الصحف... ولكنني فقط أطالب هذه الصحف بأن تكون شريكا أساسيا في حماية حرية الصحافة, وذلك أمر لايتحقق باتباع أساليب نشر الفوضي في الوسط الصحفي, وإنما يتحقق فقط من خلال الإلتزام الصادق والصريح بمواثيق الشرف الصحفي التي ترفض أي استخدام مباشر وغير مباشر للأكاذيب والشائعات والأقوال المرسلة كمفردات أساسية في الممارسة الصحفية, إلي الحد الذي أصبحت فيه روايات ومخططات الحرب النفسية المعادية لمصر مانشيتات رئيسية لايخجل من أجاز نشرها من المباهاة بتدوين مصادرها الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية التي يشهد لها سجلها بأنها كانت دائما في خندق العداء الصريح للوطنية المصرية, وفي خصام وتصادم مستمر مع توجهات احترام السيادة وحماية الاستقلال الوطني!وهنا لابد من كلمة صريحة لم يعد بالإمكان حبسها في الصدور تجنبا لشبهة الاتهام بالتحريض علي أحد, فالمسألة أكبر وأعمق من ذلك بكثير, لأننا إزاء وضع مرتبك وملتبس لعموم الحالة الصحفية في مصر بعد أن باتت لغزا كبيرا يستعصي علي الفهم والتفسير.أريد أن أقول بكل الوضوح: إن ظاهرة العمل الصحفي متعدد الانتماءات ظاهرة تنفرد بها الصحافة المصرية دون سائر الصحف في العالم بأسره.. وأتمني أن يدلني أحد علي صحفي في أي بلد يحق له أن يعمل في غير صحيفته المتعاقد علي العمل معها سوي في مصر المحروسة.ومن العجيب والمدهش في ـ آن واحد ـ أن الصحفيين متعددي الانتماءات هم أكثر الذين ينتقدون المؤسسات الصحفية القومية ويعيرونها بالديون المتراكمة عليها, ويتجاهلون أن أحد أسباب هذه الديون هو تلك العمالة الزائدة في هذه المؤسسات, ومع ذلك فإنهم بالصراخ والصوت العالي واستغلال سماحة الدولة وتقصيرها في تطبيق القوانين واللوائح يعتبرون أي تفعيل لعقد العمل ـ كما هو معمول به في أي مكان من العالم ـ عدوانا علي حرية الصحافة!وفي اعتقادي أنه قد آن الأوان لوقف فوضي تعدد الانتماءات في الوسط الصحفي والبدء فورا في تطبيق قانون العمل في المؤسسات الصحفية تطبيقا صحيحا, لأن الخطر لم يعد يتعلق فقط بما تنشره الصحف الخاصة, وإنما لأن أغلب المطابخ الصحفية في المؤسسات الكبري باتت مخترقة بوباء تعدد الانتماءات الذي يسمح في أحيان كثيرة بصياغات مريبة لأخبار وتحقيقات وأحاديث تتورط في نشرها بعض الصحف القومية في غفلة من المسئولين عن شئون التحرير بها.. وهي للأسف الشديد أخبار وتحقيقات وأحاديث تصب في خدمة أهداف نشر الفوضي وإحداث البلبلة!وبصراحة شديدة, فإن ما أقوله عن الصحافة القومية ينطبق أيضا علي وسائل الإعلام الرسمية التي دخلت ـ دون وعي ـ في محظور التشكيك في ثوابت الحكم, والانزلاق أحيانا إلي ترديد الشائعات, ومجاراة همسات النميمة باسم حق المنافسة مع الفضائيات الأخري... وتلك خطيئة ينبغي تصحيحها بأسرع وقت ممكن, لأن حق المنافسة حق مشروع. ولكن في ظل هذه الأجواء علينا أن نتذكر المثل القائل... أنه حق يراد به باطل!ومرة أخري أقول بكل الوضوح وبكل الصراحة إنني لا أدعو إلي تقييد حرية الإعلام الرسمي أو مصادرة حقه المشروع في المنافسة مع الفضائيات الأخري... ولكنني فقط أنبه ـ علي الأقل ـ إلي ضرورة اقتداء الإعلام الرسمي بهذه الفضائيات التي تنفذ بالحرف الكامل توجهات وسياسات من أنشأوها.. وأظن أنه من الطبيعي, ومن المنطقي, أن يكون الإعلام الرسمي المصري عنوانا صادقا وصريحا لسياسات الدولة المصرية وتوجهات الحكم الشرعي بل إنه من الطبيعي والمنطقي أن يكون الإعلام الرسمي المصري سيفا في يد الدولة المصرية وليس خنجرا في ظهرها.***وإذن ماذا؟في اعتقادي أن الأمر أخطر وأشمل من النظر إليه والتعامل معه كشائعة خائبة أحدثت فرقعة ثم سرعان ما أرتدت إلي صدور أصحابها.أريد أن أقول إنه قد آن الأوان لوقفة حساب مع النفس والذات داخل الأسرة الصحفية التي لم يعد مفهوما ولا مقبولا أن تظل أغلبيتها الحقيقية أغلبية صامتة, تنتظر بين الحين والحين أن تدفع فاتورة باهظة لممارسات قلة محدودة تتوهم أنها تلعب دور البطولة, بينما هي في الحقيقة تتجه ـ دون وعي ـ نحو المجهول!لقد آن الأوان لكي تقوم نقابة الصحفيين بدورها المنوط بها في حماية المهنة من شرود بعض المغامرين الذين يريدون أن تغرق السفينة بكل من فيها بعد أن تملكت نفوسهم نوازع الانتقام, وغابت عن عقولهم حسابات العقل والمنطق!ثم أقول في النهاية إنني مع الحق الكامل والمطلق للصحافة في نقد السياسات وكشف وتعرية السلبيات وطرح الأفكار والمقترحات, ولكنني لست مع الفوضي التي يريد البعض جرنا إليها بعنتريات كاذبة وادعاءات مغرضة!إن نقد السياسات وكشف وتعرية السلبيات واجب علي الصحافة قبل أن يكون حقا لها, ولكن الفوضي باسم حرية الصحافة ليست مجرد جريمة في حق المهنة, وإنما هي جريمة في حق المجتمع كله!كل الصحة وطول العمر للرئيس مبارك... وكل الأمن ودوام الاستقرار لمصر... وبئس حرية الصحافة إذا هبطت إلي أن تكون بوقا لجلسات النميمة وميدانا لنشر الأكاذيب!وعذرا, لعله يكون مقبولا, من أجل تجاوز ما جري, ليس من جانب الرئيس وحده والذي أثق في تسامحه وكرمه مع الصحافة وإنما من جانب من أصابتهم الشائعة بذعر حقيقي يعكس مدي وعمق حبهم لمصر ولرئيسها!
وليس معني ذلك أنني أقلل من خطورة سلاح الشائعات, أو أنني أدعو إلي التسامح مع من يثبت تورطه في استخدامه, ولكنني أدعو إلي استخدام قوة العقل في حرمان مروجي الشائعات من الشعور بالنشوة في أنهم أصابوا هدفهم وأحدثوا ما أرادوا من بلبلة وقلق في الرأي العام!إنني أستطيع أن أجزم بأن الذين أطلقوا هذه الشائعات الخبيثة كانوا يعلمون علم اليقين أن الرئيس مبارك بخير, وأنه يمارس كامل مهامه بأعلي درجات اللياقة الذهنية والبدنية ولاشك في أن هذا اليقين لديهم كان بمثابة صدمة لهم ولمخططاتهم التي تستهدف صناعة الفوضي, سواء لحسابات ذاتية في الداخل أو بالتناغم والتوافق والتنسيق مع دعاة صناعة ما يسمي الفوضي البناءة, الذين يطلقون بالونات الترغيب والترهيب لخدمة مخططاتهم من فوق حاملات الطائرات المنتشرة في بحار وخلجان المنطقة, والذين لم ينكروا أنهم رصدوا ملايين الدولارات لزرع هذه الفوضي في أقطار أمتنا وإن تعددت الوسائل والآليات حسب ظروف كل بلد علي حدة!لعلي أكون أكثر وضوحا إنه ـ كان متوقعا ـ بعد أن استعصت مصر علي كل سياسات الضغط من أجل تطويع مواقفها السياسية وبعد أن تحطمت كل محاولات المساس بالوحدة الوطنية, أن يلجأ الغاضبون من صلابة السياسة المصرية إلي سلاح الشائعات الذي يتحصن هذه الأيام بفوضي غريبة في الساحة الصحفية تسمح للأسف الشديد ــ تحت غطاء كاذب باسم حرية الصحافة ـ بأن تدوس علي قيم وأعراف وتقاليد المجتمع, وتتجاوز ـ دون خجل ـ خطوطا حمراء لا أظن أن الدول العريقة تسمح بمثلها!وعلي عكس ما يعتقد البعض فإنني أري إن الشائعة المتعلقة بصحة الرئيس ماتت في مهدها لأنها كانت مجرد شائعة ولأن الذين أطلقوها لم يدر بخلدهم أنها ستعطي ردود فعل عكس ما كانوا يتوقعون, خصوصا أن القلق كان قلق الشعب علي رئيسه حبا وتقديرا... ولكن مع ذلك ينبغي أن نضع في اعتبارنا أنه ليست في كل مرة تسلم الجرة!باختصار شديد أقول إن مصر من حقها أن تنعم بصحافة حرة بالمعني الصحيح لحرية الصحافة, وليس بصحافة الفوضي التي تماثل فوضي الشارع المصري, حيث لا احترام لإشارات المرور ولا إلتزام باتجاه خط السير أو عدم الوقوف في الممنوع!إن خوفي علي حرية الصحافة مبعثه أن الخطر الذي استشعرنا في الآونة الأخيرة أنه يهددها ويهدد أمن وسلامة واستقرار المجتمع يجئ معظمه من حبر أقلامنا... والتاريخ لن يرحم أحدا يثبت تورطه في تهيئة الأجواء لخنق الصحافة كبديل يمكن تبريره لعدم خنق الوطن, فلا معني لوجود الحرية إذا كان ذلك علي حساب أمن واستقرار وسلامة الوطن!***والحقيقة أن المرء يحار في فهم وتفسير ذلك التصعيد المقصود في اتجاه السعي لإحداث بلبلة دائمة في صفوف الرأي العام, إلي الحد الذي بات واضحا أنه عندما تغيب أو تختفي أية قضايا جدلية لتسميم العقول والأفكار تتجه بعض الصحف إلي التصعيد الموازي باستخدام مفردات الشائعة سواء كان استخداما مباشرا من نوع ما جري في الشائعة الأخيرة اعتمادا علي رسائل مشبوهة يجري تداولها علي شبكات التليفون المحمول, أو عن طريق التوظيف غير المباشر من خلال فبركة الأكاذيب والشائعات ونسبها إلي ما يسمي بالمصادر العليمة والمصادر القريبة, إلي آخر ما في القاموس الصحفي من مفردات!إن الذين يفعلون ذلك هم أخطر علي حرية الصحافة من قائمة طويلة من الكارهين لها, بدءا من الفاسدين ولصوص المال العام, ووصولا إلي محترفي التحايل علي اللوائح والقوانين والساعين إلي جعل الاستثناء رخصة دائمة لتمرير كل ما هو غير جائز وما هو غير مشروع!ولست أظن أنني بحاجة إلي القول بأنني من الذين يؤمنون بحرية الصحافة وبحقها الكامل في تناول كل الأمور وكافة القضايا, دون أن تكون هناك أي خطوط حمراء أو محظورات سوي افتقار الخبر والرأي والتحليل إلي المعلومات الصحيحة والانزلاق إلي الفبركة ونسج الروايات والشائعات دون دليل.. ولكن ما أوسع الفارق بين حق ممارسة الحرية المسئولة التي ترعي الحرمات وبين خطيئة الفوضي التي تدوس علي القيم والتقاليد وتتجاهل أمن وسلامة واستقرار الوطن.إنني أخشي أن يكون بعض ما ينشر مستفزا وصارخا ومؤلما للنفس ـ علي مدي الأشهر الأخيرة ـ جزءا من مخطط يستهدف العودة بنا إلي عهود الاعتام التي دفعت فيها الصحافة ودفعت معها الحقيقة ثمنا غاليا!ولست أقول غير الحقيقة عندما أقرر ـ وبضمير خالص ـ أن الرئيس مبارك مازال حتي هذه اللحظة هو أكبر مدافع عن حرية الصحافة التي بدأ الاستخدام السيئ لها يفرز رذاذا مسموما يستهدفه شخصيا, ومع ذلك فإنه يرفض استخدام ما لديه من صلاحيات دستورية وقانونية لوقف هذا العبث الفوضوي الذي يري الكثيرون أنه يمثل خطرا علي الوطن بأكثر من كونه تجاوزا لحدود الأدب واللياقة, أو إمعانا في الافتراء علي الحقيقة!ولنكن صرحاء مع أنفسنا ونواجه الحقيقة, ماذا لو أن الدولة رفعت يدها عن دعم الصحف غير القومية والتي ليست مملوكة لمجلس الشوري؟وقبل أن يبادر أحد مستغربا من هذا السؤال فإنني أؤكد أن الدولة حريصة ـ بقدر حرصها علي حرية الصحافة ـ علي استمرار دعم هذه الصحف التي تسبها ليل نهار, ويزعم أقطابها أن الدولة تدعم الصحف القومية فقط, وذلك علي عكس الحقيقة التي تتمثل في النقاط التالية:أن المؤسسات الصحفية القومية هي التي تقوم بطبع وتوزيع كل هذه الصحف بأيسر الشروط وأفضل التسهيلات, وأنه لو لم يكن هناك إيمان حقيقي بحرية الصحافة لتقاعست المؤسسات القومية عن أداء هذه المهمة, خصوصا أن نسبة كبيرة من هذه الصحف عليها ديون ثقيلة تبرر وقف طباعتها لحين وفائها بالديون المتراكمة عليها للمؤسسات القومية.إن المؤسسات الصحفية القومية تغمض أعينها ـ بطيب خاطر ـ عن الكوادر الصحفية التي تتقاضي مرتباتها دون عمل في مؤسساتها وتخالف قانون العمل بمزاولة المهنة في الصحف المستقلة والحزبية.. وذلك أمر ليس له مثيل في أي بلد في العالم.إن أغلب هذه الصحف المستقلة والحزبية ـ إن لم تكن كلها ـ تنعم بدعم لوجيستي مجانا يتمثل في الصور والمعلومات الأرشيفية, التي هي جزء من ثروة ورصيد المؤسسات القومية, وهو دعم لا يستهان به في مكونات أي إصدار صحفي.***وليس معني ذلك أنني أطالب هذه الصحف بأن تتخلي عن حقها المشروع في ممارسة الحرية وأن تجامل الحكومة وتتوقف عن نقد سياستها كثمن للتسهيلات التي تقدمها الدولة لهذه الصحف... ولكنني فقط أطالب هذه الصحف بأن تكون شريكا أساسيا في حماية حرية الصحافة, وذلك أمر لايتحقق باتباع أساليب نشر الفوضي في الوسط الصحفي, وإنما يتحقق فقط من خلال الإلتزام الصادق والصريح بمواثيق الشرف الصحفي التي ترفض أي استخدام مباشر وغير مباشر للأكاذيب والشائعات والأقوال المرسلة كمفردات أساسية في الممارسة الصحفية, إلي الحد الذي أصبحت فيه روايات ومخططات الحرب النفسية المعادية لمصر مانشيتات رئيسية لايخجل من أجاز نشرها من المباهاة بتدوين مصادرها الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية التي يشهد لها سجلها بأنها كانت دائما في خندق العداء الصريح للوطنية المصرية, وفي خصام وتصادم مستمر مع توجهات احترام السيادة وحماية الاستقلال الوطني!وهنا لابد من كلمة صريحة لم يعد بالإمكان حبسها في الصدور تجنبا لشبهة الاتهام بالتحريض علي أحد, فالمسألة أكبر وأعمق من ذلك بكثير, لأننا إزاء وضع مرتبك وملتبس لعموم الحالة الصحفية في مصر بعد أن باتت لغزا كبيرا يستعصي علي الفهم والتفسير.أريد أن أقول بكل الوضوح: إن ظاهرة العمل الصحفي متعدد الانتماءات ظاهرة تنفرد بها الصحافة المصرية دون سائر الصحف في العالم بأسره.. وأتمني أن يدلني أحد علي صحفي في أي بلد يحق له أن يعمل في غير صحيفته المتعاقد علي العمل معها سوي في مصر المحروسة.ومن العجيب والمدهش في ـ آن واحد ـ أن الصحفيين متعددي الانتماءات هم أكثر الذين ينتقدون المؤسسات الصحفية القومية ويعيرونها بالديون المتراكمة عليها, ويتجاهلون أن أحد أسباب هذه الديون هو تلك العمالة الزائدة في هذه المؤسسات, ومع ذلك فإنهم بالصراخ والصوت العالي واستغلال سماحة الدولة وتقصيرها في تطبيق القوانين واللوائح يعتبرون أي تفعيل لعقد العمل ـ كما هو معمول به في أي مكان من العالم ـ عدوانا علي حرية الصحافة!وفي اعتقادي أنه قد آن الأوان لوقف فوضي تعدد الانتماءات في الوسط الصحفي والبدء فورا في تطبيق قانون العمل في المؤسسات الصحفية تطبيقا صحيحا, لأن الخطر لم يعد يتعلق فقط بما تنشره الصحف الخاصة, وإنما لأن أغلب المطابخ الصحفية في المؤسسات الكبري باتت مخترقة بوباء تعدد الانتماءات الذي يسمح في أحيان كثيرة بصياغات مريبة لأخبار وتحقيقات وأحاديث تتورط في نشرها بعض الصحف القومية في غفلة من المسئولين عن شئون التحرير بها.. وهي للأسف الشديد أخبار وتحقيقات وأحاديث تصب في خدمة أهداف نشر الفوضي وإحداث البلبلة!وبصراحة شديدة, فإن ما أقوله عن الصحافة القومية ينطبق أيضا علي وسائل الإعلام الرسمية التي دخلت ـ دون وعي ـ في محظور التشكيك في ثوابت الحكم, والانزلاق أحيانا إلي ترديد الشائعات, ومجاراة همسات النميمة باسم حق المنافسة مع الفضائيات الأخري... وتلك خطيئة ينبغي تصحيحها بأسرع وقت ممكن, لأن حق المنافسة حق مشروع. ولكن في ظل هذه الأجواء علينا أن نتذكر المثل القائل... أنه حق يراد به باطل!ومرة أخري أقول بكل الوضوح وبكل الصراحة إنني لا أدعو إلي تقييد حرية الإعلام الرسمي أو مصادرة حقه المشروع في المنافسة مع الفضائيات الأخري... ولكنني فقط أنبه ـ علي الأقل ـ إلي ضرورة اقتداء الإعلام الرسمي بهذه الفضائيات التي تنفذ بالحرف الكامل توجهات وسياسات من أنشأوها.. وأظن أنه من الطبيعي, ومن المنطقي, أن يكون الإعلام الرسمي المصري عنوانا صادقا وصريحا لسياسات الدولة المصرية وتوجهات الحكم الشرعي بل إنه من الطبيعي والمنطقي أن يكون الإعلام الرسمي المصري سيفا في يد الدولة المصرية وليس خنجرا في ظهرها.***وإذن ماذا؟في اعتقادي أن الأمر أخطر وأشمل من النظر إليه والتعامل معه كشائعة خائبة أحدثت فرقعة ثم سرعان ما أرتدت إلي صدور أصحابها.أريد أن أقول إنه قد آن الأوان لوقفة حساب مع النفس والذات داخل الأسرة الصحفية التي لم يعد مفهوما ولا مقبولا أن تظل أغلبيتها الحقيقية أغلبية صامتة, تنتظر بين الحين والحين أن تدفع فاتورة باهظة لممارسات قلة محدودة تتوهم أنها تلعب دور البطولة, بينما هي في الحقيقة تتجه ـ دون وعي ـ نحو المجهول!لقد آن الأوان لكي تقوم نقابة الصحفيين بدورها المنوط بها في حماية المهنة من شرود بعض المغامرين الذين يريدون أن تغرق السفينة بكل من فيها بعد أن تملكت نفوسهم نوازع الانتقام, وغابت عن عقولهم حسابات العقل والمنطق!ثم أقول في النهاية إنني مع الحق الكامل والمطلق للصحافة في نقد السياسات وكشف وتعرية السلبيات وطرح الأفكار والمقترحات, ولكنني لست مع الفوضي التي يريد البعض جرنا إليها بعنتريات كاذبة وادعاءات مغرضة!إن نقد السياسات وكشف وتعرية السلبيات واجب علي الصحافة قبل أن يكون حقا لها, ولكن الفوضي باسم حرية الصحافة ليست مجرد جريمة في حق المهنة, وإنما هي جريمة في حق المجتمع كله!كل الصحة وطول العمر للرئيس مبارك... وكل الأمن ودوام الاستقرار لمصر... وبئس حرية الصحافة إذا هبطت إلي أن تكون بوقا لجلسات النميمة وميدانا لنشر الأكاذيب!وعذرا, لعله يكون مقبولا, من أجل تجاوز ما جري, ليس من جانب الرئيس وحده والذي أثق في تسامحه وكرمه مع الصحافة وإنما من جانب من أصابتهم الشائعة بذعر حقيقي يعكس مدي وعمق حبهم لمصر ولرئيسها!
posted by مفيش فايدة at 4:19 AM
0 Comments:
Post a Comment
<< Home