من أنا؟

Wednesday, August 8, 2007

قسم يا عم اسامة

تمثل الازمات دائما لحظات فارقه في تاريخ الدول والشعوب‏,‏ وتترتب عليها دروس لمن اراد ان يعتبر‏.‏ وعندما نتناول الحرب علي لبنان من هذا المنظور نجد ان اسرائيل لم تخرج منها الا بمراره الهزيمه والشعور بالعجز عن تحقيق ما ارادت من اهداف‏,‏ كما ان مسيرات النصر في طهران ودمشق لم تكفكف دموع اللبنانيين علي الضحايا والجرحي والدمار الذي لحق بكل شئ في بلادهم‏,‏ فلقد انسحب المهنئون بالنصر تاركين شعبا يعاني‏,‏ وامه تلملم جراحها وهي مذهوله بحجم خسائرها‏.‏

ايضا ظهرت علي الجانب الاسرائيلي قضايا كثيره تخضع حاليا للمراجعه لمحاسبه من تسببوا في تلك الهزيمه المعنويه القاسيه‏.‏ اما علي الجانب العربي فلقد برزت خلافات وتراشق بالالفاظ واتهامات تناثرت هنا وهناك‏,‏ وضجيج سوف يخبو مع الايام‏,‏ ولكن ستضيع معه القدره علي استخلاص الدروس والعظات‏.‏ وبرغم تلك الصوره المحبطه في العالم العربي فان ملامح جديده تتبدي لتيار يتشكل في العقل العربي وهو يتابع مسلسل الازمات علي ارضه منذ سنوات طويله‏.‏

لقد كانت حرب لبنان واحده من الازمات القليله في التاريخ العربي المعاصر التي عبر فيها الراي العام العربي عن نفسه في تيارين‏,‏ وان لم يكونا بنفس القوه‏:‏ التيار الاول تعبوي حاشد استمد ملامحه وحركته من ضيقه الشديد بالممارسات الاسرائيليه‏,‏ واخفاقات عمليه السلام‏,‏ ومعاناه العرب في مواقع كثيره من المنطقه بسبب اسرائيل والولايات المتحده‏,‏ ولاشك ان شيئا من الثقه بقدرتهم علي المواجهه وشن حرب شامله سوف يساعد علي استعاده الحقوق الضائعه‏.‏ ولقد وجد هذا التيار الدعم اليومي عن طريق كثير من الفضائيات العربيه حتي بدا وكانه التيار السائد في العالم العربي‏,‏ وقد اكتسب علي مدي ايام الحرب انصارا كثيرين‏.‏

اما التيار الاخر فقد كان اكثر عقلانيه واعمق قراءه للاسباب والنتائج‏.‏ وهو وان كان اقل ظهورا وانتشارا في الشارع العربي‏,‏ الا انه كان موجودا وموثرا بشكل لم يحدث من قبل في ازمات العرب الكبري‏.‏ فلقد افتقدناه في حرب يونيو عام‏1967,‏ وفي حروب الخليج الثلاث‏,‏ وكذلك في لبنان مرات عديده‏,‏ وفي مناطق اخري من العالم العربي‏.‏ والحقيقه ان وجود هذا التيار وتطوره ينسب للصحافه العربيه اكثر من اي وسيله اعلاميه اخري‏.‏ فلقد نشرت كثيرا من الاراء التي تنتمي لهذا التيار الذي يبدو انه اخذ في النمو في مواجهه ديماجوجيه الفضائيات التي اعتادت ممالاه الشارع والنزول عند رغباته واماله من المعارك الحربيه‏,‏ وحتي الفيديو كليب‏!.‏

ولاشك ان الرئيس حسني مبارك هو الذي بعث هذا التيار علي الساحه الاعلاميه العربيه منذ اللحظه الاولي لاندلاع الحرب علي لبنان‏.‏ حيث اجتذبت رويته لحقيقه الصراع وخيارات الحرب والسلام كثيرين من الكتاب والمحللين غير التعبويين‏,‏ فظهرت تحليلاتهم التي اثارت بدورها اهتمام قطاع من العرب تزايد طوال ايام الحرب ايضا‏.‏ ومن المومل ان يتنامي هذا التيار باعتباره ضروره ومصدر قوه لصناع القرار في العالم العربي في اداره ازمات العرب الكبري‏.‏ فلو ان مصر انجرفت الي مسلسل المغامرات السياسيه وما اكثرها في العالم العربي علي مدي العقدين الماضيين لكنا قد خضنا حروبا عده فقدنا فيها من شبابنا وقدراتنا الكثير دون ان نحقق شيئا من مصالحنا واهدافنا‏.‏

وعندما نتناول تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي نجد ان خيار الحرب قد ظل قائما قرابه ثلاثه عقود‏,‏ كما ان خيار السلام يقارب اليوم عامه الثلاثين‏.‏ وبرغم الاخفاقات والمشكلات‏,‏ فان حسابات المكسب والخساره علي كل المستويات ترجح خيار السلام لكل الاطراف‏.‏ فلقد تحملت مصر في خيار الحرب المسئوليه الكبري‏,‏ وتتحمل في خيار السلام المسئوليه الكبري ايضا‏.‏ واذا كانت اداره الحرب تتطلب قياده‏,‏ فان اداره السلام تتطلب حكمه‏.‏ وقد جمع مبارك بين قياده الحرب وحكمه اداره السلام‏.‏ فلقد ترك العسكريه منتصرا في اشرف معارك مصر الحديثه‏,‏ وواجه تحديات السلام منذ سنوات حكمه الاولي‏,‏ وخاض معركه تحرير طابا‏,‏ وهي جزء من التراب الوطني لايقبل المساومه‏,‏ واستعادها كامله دون اراقه نقطه واحده من الدماء‏,‏ وهكذا عادت الينا كل ارض سيناء‏


واعطي الرئيس مبارك بمسعاه دفعه لعمليه السلام‏,‏ وقدم برهانا علي ان استعاده الحقوق يمكن ان تتم بغير الحرب‏,‏ اما حين تطاول بعض الاسرائيليين علي مصر مهددين بالحرب فان اسرائيل لم تسمع ردا اعنف مما قاله مبارك‏.‏

لقد تتابعت عبر السنين احداث كبري‏,‏ اعادت سحب الحرب الي سماء المنطقه‏,‏ واقتربت كثيرا من مصر‏.‏ وفي كل ازمه تنادي المغامرون بمصر‏,‏ لكي تنجرف الي هاويه الحرب‏,‏ الا ان رغباتهم اصطدمت بموقف لم يحد عنه مبارك يوما‏,‏ وبرويه اثبتت الايام في كل ازمه انها كانت اكثر صوابا وحرصا علي مصالح مصر والعرب‏,‏ بل ان الذين لم ينصتوا جيدا الي كلماته‏,‏ ولم يقراوا جيدا افكاره في العالم العربي وخارجه داهمتهم الحروب بويلاتها‏,‏ وتساوي في المعاناه منها المنتصرون والمنهزمون علي السواء‏,‏ فقد صعبت عليهم الحرب وتباعد عنهم السلام‏,‏ وما اكثر الجوعي والمتعطشين الي الحرب في عالم اليوم‏,‏ وما اكثر القوي الراغبه في استثاره الحروب هنا وهناك‏,‏ وهولاء جميعا يروجون لكل حرب ذرائع واسبابا حتي تكتسب شرعيه من وجهه نظرهم‏,‏ ويلتف حولها المخدوعون‏!.‏

اننا نعايش ومنذ سنوات خديعه الحرب علي الارهاب‏,‏ التي لم تمنع ارهابا‏,‏ ولم تحفظ دماء الابرياء ومقدرات الشعوب‏,‏ وسقط في تلك الحروب من الابرياء اضعاف ما سقط من الارهابيين‏,‏ حتي اصبح من الصعب تحديد الابرياء من الجناه‏,‏ وادخلت الحرب علي الارهاب العالم في دائره خبيثه تنامت فيها مشاعر العداء لدي الجميع وادت الي تحول الضحايا الي جناه‏,‏ وارتداء الجناه قناع الضحايا‏,‏ وليس هناك من حل للخروج من تلك الدائره الا بنشر ثقافه السلام بين الجميع‏,‏ ونبذ العنف‏,‏ وواد نوازع القوه واوهام التفوق‏,‏ والايمان بان السلام غايه الانسان في كل عصر‏,‏ وان الحرب هي ابغض الحلال عند الانسان‏.‏

واليوم وبعد ان انتهت الحرب العبثيه في لبنان بلا منتصر او مهزوم‏,‏ نجد ان اصوات التعبئه وتجييش النفوس مازالت تنعق في الفضاء العربي‏,‏ وتخلط الحقائق بالاكاذيب في مناخ لم يعد الكثيرون فيه قادرين علي فرز الحقيقه من سواها‏.‏

ففي العالم العربي الان من يخلط الحكمه بالعجز‏,‏ ولايرضي بغير المغامره سبيلا‏,‏ ويريد ان يعيد الزمن الي ماض تباعدت به الايام‏,‏ واني اتساءل‏:‏ اي عجز يرونه في قراءه حكيمه لواقع معقد؟ واي عجز يرونه في حمايه مصالح امه لديها من التحديات ما يمنعها من الدخول في مغامرات غير محسوبه؟ واي عجز يرونه في ان تتصدر مصالح مصر والمصريين اولويات العمل الوطني‏,‏ وان تكون تحركات الخارج في خدمه ابناء الداخل؟‏..‏ ان الذين يتحدثون عن الحكمه باعتبارها عجزا لايقولون لنا كيف يرون الحكمه في اداره الصراع والازمات ومقدرات الامم والشعوب‏.‏ هل يرونها في المغامرات التي اورثت العرب مشكلات ارهقت الحكماء وغيرهم؟‏.‏ ان العجز يحيط بهولاء اكثر من غيرهم لانهم يفتقدون القدره علي تجاوز اوهام الماضي والتخلي عن احلام الصبا في زمن الرومانسيه السياسيه‏.‏

ان خيار السلام لايستبعد الحرب متي كانت مبرراتها الحقيقيه قائمه‏,‏ ولاسبيل لتجنبها‏,‏ ومتي كانت نتائجها اكثر قيمه وفائده من ثمنها‏.‏ وما نريد ان نقوله هو ان الحرب في هذا الزمن لم تعد فروسيه وفخرا تجري به السنه الكتاب والشعراء‏,‏ ومصدر زعامه وكتابه صفحات من التاريخ‏,‏ فاله الحرب لم تعد تمنع الدمار عن المنتصر‏,‏ ولم يعد يليق بالانسان في هذا العصر ان يتحسس سلاحه ووسائل الدمار لديه كلما ظهرت في الافق بوادر ازمه‏.‏ فالحرب خيار واحد والسلام خيارات متعدده‏,‏ وقد دعينا للحرب مرات ومرات منذ توقيع معاهده السلام مع اسرائيل‏,‏ وكان خيار الحرب نزهه ننفس بها عن رغبات او احباطات مكبوته‏,‏ دعينا اليها مع الغزو الاسرائيلي للبنان عام‏1982,‏ ومع مغامرات صدام حسين في الخليج‏,‏ ومع الازمات التي تفاقمت بين اسرائيل وسوريا‏,‏ وغيرها الكثير‏,‏

ولا يعني ظهور هذا التيار العقلاني في ازمات العرب مثلما ظهر في الحرب الاخيره علي لبنان ان الطريق امامه مفتوح‏,‏ اذ مازال الخطاب التعبوي اكثر تاثيرا واعلي صوتا واوسع انتشارا بفعل الاستعدادات القائمه لدي الراي العام العربي من جانب‏,‏ والتناقضات التي ينطوي عليها الواقع السياسي والاعلامي في المنطقه باسرها من جانب اخر‏,‏ وفي مثل هذا المناخ ما اسهل مهمه المغامرين‏,‏ وما اصعب مهمه الحكماء‏.‏

لقد حظيت مصر من التيار التعبوي بنصيب كبير من الاهتمام ايمانا بدورها وريادتها وتاثيرها الاقليمي والدولي‏,‏ وتذكر عرب ذلك التيار ان مصر هي الشقيقه الكبري للعرب‏,‏ وانها المحرك الاساسي للاحداث في المنطقه‏,‏ وانها وحدها التي لابد ان تتقدم الصفوف دفاعا عن العرب وقضاياهم‏,‏ وبرغم انها لم تتوان عن القيام بهذا الدور منذ اللحظه الاولي لاندلاع الحرب علي لبنان‏,‏ فان هذا التيار لايريد لمصر الا ان تكون محاربه وتابعه لقرار الحرب الذي تم اتخاذه في عاصمه غير عربيه‏,‏ وللاسف فان انصاره لم يحسنوا قراءه الاحداث والمتغيرات الدوليه‏,‏ ولم يحسنوا فهم رويه القياده السياسيه لمصر في اداره مثل تلك الازمات‏.‏ والغريب ان بعض فصائل هذا التيار كانت في ظاهر حديثها تستبعد الحرب‏,‏ ولكنها في باطنه تطالب بما سوف يودي في النهايه الي تزايد فرص المواجهه العسكريه‏,‏ واعتقد ان نتائج الحرب الاخيره في لبنان سوف تكشف عن واقع اكثر وضوحا امام العقل العربي‏,‏ بما يمكنه من حسم عقلاني للخيار بين الحرب والسلام‏.‏
osaraya@ahram.org.eg






بدايه الصفحه

--------------------------------------------------------------------------------
تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحه الاولي
ثقافه و فنون الرياضه اقتصاد قضايا و اراء تحقيقات
المراه و الطفل ملفات الاهرام اعمده الكتاب القنوات الفضائيه
مموضوعات في نفس الباب
مبارك‏..‏ خيارات الحرب والسلام بقلم‏:‏ اسامه سرايا

--------------------------------------------------------------------------------
posted by مفيش فايدة at 4:25 AM

0 Comments:

Post a Comment

<< Home